مصطفى لبيب عبد الغني

142

منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )

الغالية في ذلك للطبيب هي أنه « لا يحملنك اظهار الفضل والحذاقة ، إذا رأيت مريضا لم يستبن لك أمره ، أن تأمره بدواء وإن هان ، بل توقف إلى أن يتبين لك نوع المرض » « 1 » . إن التعصب للرأي قد يؤدى بنا أحيانا - فيما رأيناه عند الرازي - إلى تقدير الدليل تقديرا قاصرا حينما نعطى لمعتقداتنا أسبابا لا تكون وجيهة ، ويصل بنا الأمر إلى أن يصبح التعصب والتحيز أشبه بأحلام اليقظة إذ نتجنب الواقع ونصدق ما تستريح النفس إلى تصديقه . وإذا لم يكن المرء من الخرق بحيث يقبل نتيجة ما يكون متحققا من عدم وجود دليل كاف عليه بالمرة ، فإن التعصب والتحيز باقيان على ذلك ما بقيا بمنأى عن الفحص النقدى . ولا جدال في أن التعصب عقبة كأداء في سبيل البحث العلمي ، بل إن التمحيص الدقيق يكشف عما ينطوى عليه التعصب من ميل إلى التفكير الأسطورى ، إذ تحل الأوهام المتخّيلة محل الآراء الصائبة ويتمسك المتعصب برأيه على نحو لا يسنده أي منطق سليم ، كما أن التعصب مضاد لحرية التفكير التي تجعل موضوعية الحقيقة لا ذاتيتها هدفا لها . والرازي العالم النزيه المتجرد يضع الشئ موضعه إذ ينسب الفضل لذويه ويعرف الرجال بالحق دون أن يعرف الحق بالرجال . ولقد بلغت دقته العلمية وموضوعيته في التعبير عن آرائه حدا جعله يذكر في مؤلفاته « الباب » أو « الفصل » الذي يستمد منه معلومات السابقين - فيما يعرض له - مميزا في ذلك كله بين الرأي الذي يستمده من غيره ، فيؤيده أو يعارضه ، وبين الرأي النابع من الخبرة الشخصية . ولكي يميّز بين آرائه الخاصة وآراء الآخرين نجده يثبت ما يخصه مسبوقا بكلمة « لي » ، كما كان حريصا على أن يعقّب على كثير من نقوله عن الآخرين مبديا رأيه الخاص مضيفا ما يراه ناقصا . وهو مثال للتواضح الجم ، والإنصات لصوت الحقيقة تقوم على الحجة والبرهان ، ومثال للإنصاف العلمي

--> ( 1 ) الرازي : « كتاب الحاوي » خاتمة الكتاب الأول .